ميرزا محمد حسن الآشتياني

126

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

التفصيلي كما هو ظاهر لفرض فقد العلم الإجمالي بالنسبة إليها هذا حاصل ما يستفاد مما أفاده شيخنا قدس سره من الجواب عن الرواية بقوله إلا أن يدّعى أن المراد أن جعل الميتة إلى آخره وهنا جواب آخر عن الاستدلال بالرواية على تقدير تسليم ظهورها في تجويز التناول مع العلم الإجمالي وإناطة المنع بالعلم التفصيلي بالنسبة إلى أطرافه وهو أن محلّ الابتلاء من الجبن من المكان الذي يعلم بجعل الميتة فيه إنما هو بعض أطرافه لا جميعها وقد أسمعناك غير مرّة أنه لا أثر للعلم الإجمالي والحال هذه مع حصر الشبهة فضلا عمّا إذا كانت غير محصورة فيستقيم إذا الإناطة المتفرّعة على الإنكار المذكور في الحديث ضرورة صحّة إناطة المنع بالعلم التفصيلي مع العلم الإجمالي المزبور كما أنه يظهر ممّا ذكرنا استقامة قوله عليه السلام واللّه إنّي لأعترض السّوق الحديث المذكور تأكيدا لما نبه عليه قبل ذلك فإنه وإن كان ظاهرا في الشراء مع العلم الإجمالي بوجود الحرام في السوق على ما عرفت سابقا في تقريب الاستدلال مضافا إلى وجود العلم الإجمالي غالبا بوجود النجس والحرام في السوق إلا أن من الظاهر عدم الابتلاء دفعة بتمام ما في السوق فتدبّر ( نعم ) ما ذكر لا يستقيم بالنسبة إلى اللّحم فإن مقتضى الأصل عندنا وعند المشهور الحكم بحرمته عند الشكّ ولو لم يكن هناك علم إجماليّ أصلا فلا بد أن يكون المستند في الحكم بحلّيّة سوق المسلمين ويد المسلم الحاكمين على أصالة عدم التذكية فيكون مقصوده عليه السلام من ذكر هذه الفقرة بيان مجرّد الإقدام على الشراء مع عدم العلم بالتذكية والحلّية بل مع عدم الظنّ بهما لا كون الحلّية مستندة إلى مجرّد الشكّ اللهم إلا أن يقال بأن الأمارات كالأصول الشرعيّة لا يعتبر مع العلم الإجمالي بخلافها فلا يكون المسوّغ إلا عدم الحصر الشبهة فيكون الأمارة معتبرة بالملاحظة المذكورة إلا أن يفرض قيام الأمارة على بعض أطراف الشبهة لكن يتوجّه عليه ما عرفت من عدم الابتلاء بتمام الأطراف دفعة واحدة فيكون هذا هو المسوّغ للرجوع إلى الأمارة لا عدم حصر الشبهة وفي أمر شيخنا بالتأمّل إشارة إلى ذلك ومنه يظهر أن قول شيخنا وأمّا قوله ما أظن أن كلهم يسمّون إلى آخره ليس متمّما لقوله في مقام الجواب إلا أن يدّعى إلى آخره بل إشارة إلى ما ذكرنا أخيرا من الجواب وإلا كان منافيا للجواب المذكور سيّما بملاحظة الاستدراك الذي ذكره بعد بقوله إلا أن يقال إن سوق المسلمين غير معتبر إلى آخره [ في أن العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة لا يمنع من الرجوع إلى أصالة البراءة ] ( قوله ) الخامس أصالة البراءة بناء على أن المانع من إجرائها إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) حاصل ما أفاده قدس سره في بيان هذا الوجه وتقريبه هو أن المدرك لوجوب الاحتياط عند العلم الإجمالي بالتكليف على ما عرفته مرارا هو حكم العقل به نظرا إلى حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل الأخروي من حيث إن العلم الإجمالي يوجب في حكمه تحقق الاحتمال المزبور في كل ما يكون طرفا له ومن المعلوم اختلاف مراتب الاحتمال بحسب الحكم عند العقل والعقلاء من جهة القوّة والضعف فربما تبلغ الاحتمال من جهة كمال الضعف والبعد مرتبة يعدون الاعتناء به سفاهة واحتمال الضرر في الشبهة الغير المحصورة من هذا القبيل ضرورة إيجاب كثرة الاحتمالات المتعارضة ضعف الاحتمال وإن كنت شاكّا فيما ذكرنا فارجع إلى عقلك وبناء العقلاء في الضرر المحتمل الدنيوي فيما ذكره شيخنا في الكتاب من الأمثلة في مسألة وجود السمّ والقذف والإخبار بالموت ونظائرها فإنك لا ترتاب في الحكم بعدم الاعتناء مع عدم حصر الشبهة ومن هنا ذكروا في باب الغيبة بأن ذكر بعض أهل بلد بهذا العنوان الغير المعيّن بما فيه من السّوء لا يكون غيبة بخلاف ذكر غالب أهل البلد بالسوء فإذا لم يحكم العقل بوجوب دفع الضرر مع عدم حصر الشبهة فيكون العقاب بارتكاب بعض المحتملات مع مصادفة الواقع وتحقّق المخالفة في نفس الأمر عقابا من دون بيان من جانب الشرع والعقل فيكون قبيحا كارتكاب الشبهة البدوية وهذا معنى جريان البراءة في المقام ( فإن ) شئت قلت ملاك البراءة والاحتياط على حكم العقل بوجوب دفع المحتمل وعدمه لا على كون الشكّ في التكليف أو المكلّف به فربما يحكم العقل بالاحتياط مع كون الشكّ في التكليف كما هو الشّأن في الشبهة الحكميّة قبل الفحص وربما يحكم بالبراءة مع كون الشكّ في المكلّف به حتّى مع حصر الشبهة على ما عرفت فيما كان بعض أطرافه خارجا عن محلّ الابتلاء ( فإن قلت ) إن ما ذكر من عدم اعتناء العقلاء باحتمال الضرر إذا كان بعيدا في الغاية مسلّم بالنسبة إلى الضرر الدنيوي ولو مع العلم الإجمالي ولذا يذمّ العقلاء من يترك المسافرة إلى الحجّ أو التجارة باعتذار علمه بموت بعض في الطريق أو مكّة أو البلد الذي يريد المسافرة إليه أو نهب أموال بعض الناسكين أو المسافرين إلى البلد أو غير ذلك ولا يكون معذورا شرعا في ترك الحجّ بمجرّد الاحتمال المذكور وأمّا بالنسبة إلى الضرر الأخروي فلا نسلم حكم العقل والعقلاء بعدم وجوب دفعه ومن هنا لا يفرق في الحكم بوجوب الاحتياط مع حصر الشبهة بين كون احتمال التحريم في بعض المشتبهين مساويا لاحتمال التحريم في الآخر أو مختلفا معه في القوّة والضعف ولو كان في غاية الضعف والبعد بل لم يعهد التفصيل في المسألة بحسب الشدّة والضعف من أحد من العلماء أيضا فلو كان بعد الاحتمال موجبا للفرق في الحكم عند العقلاء والعلماء لحكموا بالفرق مع حصر الشبهة إذ مناط الفرق بعد الاحتمال كما أن العقلاء لم يفصّلوا أيضا في حكمهم بعدم وجوب الاحتياط مع عدم حصر الشبهة بين مراتب الاحتمال إذ ربما يكون تحقق الحرام في ضمن بعض المحتملات مظنونا في الشبهة الغير المحصورة ( قلت ) حكم العقل بلزوم التحرّز إذا كان مبنيّا على رفع احتمال الضرر فلا معنى للفرق في حكمه بين الضررين ألا ترى أن العبد إذا احتمل مؤاخذة المولى على فعل أو تركه مع كمال بعد الاحتمال لا يلتفت إليه أصلا ولا يلزمه العقل والعقلاء على الفعل والترك مع أن المحتمل العقوبة فتأمل والأولى في تقرير هذا الوجه أن يقال بعدم احتمال الضرر الأخروي مع عدم حصر الشبهة من حيث إن العلم الإجمالي مع كثرة أطرافه لا يوجب تنجّز الخطاب في حكم العقل والعقلاء فيكون الشكّ في كل طرف منه كالشكّ البدوي في عدم احتمال الضرر الأخروي لا بوجوده وضعفه وحكم العقل بعدم وجوب دفعه فإنه فاسد جدّا ضرورة ثبوت الفرق عند العقل والعقلاء بين الضررين ودعوى حكم العقل والعقلاء بعدم إلزام العبد بالاحتياط في المثال المذكور ممنوعة لأنه إنما يستقيم فيما لم يعلم إجمالا بالتكليف أصلا فإنه لا يحتمل العقوبة مع احتمال التكليف وأمّا مع علمه إجمالا بالتكليف عن جانب المولى مع عدم حصر الشبهة فيمنع عدم إلزام العقل والعقلاء العبد على